علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
177
نسمات الأسحار
جلاله ، وموجود له أول وآخر وهو الدنيا ، وموجود له أول ولا آخر له وهو العبد والآخرة فجعل العبد كفوءا للآخرة . فلما كان الأمر كذلك خلق جل جلاله الملائكة لبقاء أبد الآباد في الآخرة إلا أن إظهار القدرة والرحمة والحكمة في خلقك للبقاء أتم من إظهارها بسبب خلق الملائكة ، وذلك لأنها ذوات نورانية مبرأة عن الأسقام والأمراض فلعله يخطر ببال أحد أن بقاءها إنما كان لكونها صافية نورانية فخلقك جل جلاله من أنفع الأشياء وأشدها ظلمة ، وهو التراب وجعلك محلا للأسقام والأعلال ومنزل الآفات والأمراض ، ثم جعلك في البقاء الأبدي كفؤا للملائكة المقربين ليظهر للخلق أن البقاء لا يحصل إلا بإبقائه والوجود لا يحصل إلا بإمجاده ، ولما خفيت عن الملائكة هذه الحكمة سألوا فأجابهم : إني أعلم ما لا تعلمون . ومنها : أن الموجودات على ثلاثة أقسام : كاملة لا يتطرق إليها النقصان وهم أصحاب العالم العلوي أجسادهم السماوات وأرواحهم الملائكة . وناقصة لا يتطرق إليها الكمالات وهي الحيوانات والمعادن والنباتات بقي في التقسيم قسم وهم الذين تارة يكونوا كاملين وتارة يصيروا ناقصين فإذا صاروا في أحد الكمال كانوا فوق العرش جالسين مع الملائكة المقربين في حضرة رب العزة جل جلاله معتكفين على عتبة عز اللّه مواظبين على ذكر جلال اللّه متوكلين على رحمة اللّه مشتغلين بخدمة اللّه مستغرقين في محبة اللّه محترقين بنور عظمة اللّه ، وإذا نزلوا إلى حد النقصان ومقام الشهوة والغضب ففي مقام الشهوة تارة يكونوا كخير جمع ثم أرسل إلى النجاسات ، وتارة كالذباب الذي ذب آتيا إلى القازورات ، وفي الغضب تارة يكونون كالكلب العقور وتارة كالجمل الصيول وتارة كالنار المحرقة والمياه المغرقة فهو مع كونه شخصا واحدا يصدق عليه أنه ملك نوراني وشيطانى خبيث ولا شك أن تركيب شخص واحد يصدق عليه ملك نوراني وشيطانى ظلمانى وخنزير حريص وكلب نابح وثعلب رواغ وفاسق خبيث يدل على كمال القدرة وأعظم في إظهار الحكمة ولما ظهرت للملائكة هذه الآثار المتناقضة والأحوال المتباينة لم يتمالكوا أن سألوا عن سبب إيجاده فأجابهم جل جلاله : إني أعلم ما لا تعلمون .